عبد الوهاب الشعراني
255
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )
ومر يوما على صبيان يلعبون فهربوا منه هيبة له فتبعهم وصار يقول اجعلونى في حل فقد روعتكم ارجعوا إلى ما كنتم عليه ، ومر يوما على صبيان يتخاصمون فخلص بينهم وقال لواحد منهم ابن من أنت ، فقال له وأيش فضولك ، فصار يرددها ويقول أدبتنى يا ولدى جزاك اللّه خيرا ، وكان يبتدئ من لقيه بالسلام حتى الأنعام والكلاب وكان إذا رأى خنزيرا يقول له أعم صباحا فقيل له في ذلك فقال أعود نفسي الجميل . وكان إذا سمع بمريض في قرية ولو على بعد يمضى إليه يعوده ويرجع بعد يوم أو يومين ، وكان يخرج إلى الطريق ينتظر العميان حتى إذا جاءوا يأخذ بأيديهم ويقودهم ، وكان إذا رأى شيخا كبيرا يذهب إلى أهل حارتة ويوصيهم عليه ويقول قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : " من أكرم ذا شيبة يعنى مسلما سخر اللّه له من يكرمه عند شيبته " وكان إذا قدم من السفر وقرب من أم عبيدة يشد وسطه ويخرج حبلا مدخرا معه ويجمع حطبا ثم يحمله على رأسه فإذا فعل ذلك فعل الفقراء كلهم فإذا دخل البلد فرق الحطب على الأرامل والمساكين والزمنى والمرضى والعميان والمشايخ . وكان رضي اللّه عنه لا يجازى قط السيئة بالسيئة ، وكان إذا تجلى الحق تعالى عليه بالتعظيم يذوب حتى يكون بقعة ماء ثم يتداركه اللطف فيصير يجمد شيئا فشيئا حتى يرد إلى جسمه المعتاد « 1 » ويقول لولا لطف اللّه تعالى بي ما رجعت إليكم ، ولقيه مرة جماعة من الفقراء فسبوه وقالوا له يا أعور يا دجال يا من يستحل المحرمات يا من يبدل القرآن يا ملحد يا كلب فكشف سيدي أحمد رضي اللّه عنه رأسه وقبل الأرض وقال يا أسيادى اجعلوا عبيدكم في حل وصار يقبل أيديهم وأرجلهم ويقول أرضوا على وحلمكم يسعني فلما أعجزهم قالوا ما رأينا قط فقيرا مثلك تحمل منا هذا كله ولا تتغير ، فقال هذا ببركتكم ونفحاتكم ، ثم التفت إلى أصحابه وقال : ما كان إلا خيرا أرحناهم من كلام كان مكتوما عندهم وكنا نحن أحق بهم من غيرنا فربما لو وقع منهم ذلك لغيرنا ما كان يحملهم . وأرسل إليه الشيخ إبراهيم البستي كتابا يحط عليه فيه فقال سيدي أحمد رضي اللّه عنه للرسول اقرأه لي فقراه فإذا فيه أي أعور أي دجال أي مبتدع يا من جمع الرجال والنساء حتى ذكر الكلب بن الكلب وذكر أشياء تغيظ فلما فرغ الرسول من قراءة
--> ( 1 ) ليس هناك دليل من الشرع على ذلك ، وقد تكون مما دسه المغرضون .